محمد عبد الله دراز
162
دستور الأخلاق في القرآن
بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا « 1 » ، أي بعيدا عن تأثير الجماهير . ومع ذلك فلقد شهد التّأريخ الإسلامي جدالا نشب بين الأشاعرة ، والمعتزلة حول هذه المسألة : هل اللّه سبحانه قادر على تكليف النّاس بعمل المحال ، فضلا عن أن يكلفهم ما لا يطيقون ؟ . . والغريب أنّه على حين نجد المعتزلة - الذين يطلقون أساسا العنان لعقولهم - يدافعون هنا عن حرفية النّص ، إذا بالأشاعرة - الذين يرفعون غالبا لواء التّشدد في الدّين - ( دون أن يكونوا خير ممثليه كما يجب أن نعترف ) - يدافعون عن القضية العكسية ، مقررين أنّ من الممكن عقلا وشرعا للّه سبحانه أن يكلفنا ما ليس في وسعنا ، وأن يحقق ما لا يقبل التّحقق ، حتّى لو كان محالا . وعلة هذا الانقلاب في الموقف يسهل كشفها إذا ما وضعنا نقطة الخلاف في مكانها من مجموع كلّ مذهب . فالمعتزلة يرون أنّ هذا الموقف مرتبط بنظام عقلي خالص ، يزعم التّوصل بنور العقل وحده إلى ذات الموجود الأسمى ، وإلى الشّرائع الأخلاقية الّتي تحكم أفعاله ، كما يتوصل أيضا إلى الشّرائع الّتي تفرض علينا . وفضلا عن ذلك فإنّ الشّرائع الإلهية ما إن تعرف حتّى تستنبط منها مجموعة من القواعد المحددة ، الّتي لا يقدر اللّه سبحانه على نقضها . فاللّه سبحانه طيب ، وحكيم ، وعدل . وإذن فهم يقررون أنّ ما لا يتفق في ذاته مع هذه الصّفات ، بل ما نتصوره نحن
--> ( 1 ) سبأ : 46 .